محمد بيومي مهران
57
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وتقديمه الضحية للرب شكرا له على إنقاذه من الطوفان ، في حين أن الكاتب الكهنوتي لا يذكر شيئا عن بناء الهيكل أو تقديم الضحية ، وسبب هذا بدون شك هو أنه لم يكن هناك هيكل سوى هيكل أورشليم من وجهة نظر القانون « اللاوي » الذي انشغل به الكاتب الكهنوتي ، كما أن تقديم الضحية من قبل رجل عادي مثل نوح يعد عملا غير لائق لم يحدث من قبل ، كما يعد تعدّيا كبيرا على حقوق رجال الدين لم يفكر الكاتب الكهنوتي لحظة في أن ينسبه إلى الشيخ المبجل . وبناء على ذلك فإن الموازنة بين الحكايتين تؤكد بصورة واضحة النتيجة التي توصل إليها النقاد ، وهي أنهما كانتا في الأصل مستقلتين ، وأن الحكاية اليهوية تعد بحق أقدم من الحكاية الكهنوتية ، ثم مزج كاتب النص الحالي في التوراة بينهما بطريقة فجة للغاية . ثم يزعمون بعد ذلك - ويا للعجب - أن هذا تنزيل من عليّ قدير ، « كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا » « 1 » . فإن كتابا من عند اللّه لا تتضارب نصوصه بعضها مع بعض « أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » « 2 » . بقيت نقطة أخيرة في قصة الطوفان - كما قدمتها التوراة - تتصل بوجهة نظر جديدة في الحقيقة ، ذلك لأنه نظرا لما تتمتع به الأساطير الطوفانية من دلالات خاصة في كافة الديانات ، فإنما ترمز إلى إعادة خلق « 3 » ، أو إلى تكرار عملية التكوين الأولى ، فتتأكد فيه بالنسبة للمكان قدسية « المركز الكوني » ، وإنا لنجد إيحاءات بذلك في الكتابات الحاخامية ، تقريرا بأن « العالم خلق إلى وجود ابتداء من صهيون » ، وأن آدم إنما « سوّي في أورشليم » « 4 » ، ثم الادعاء بأن أرض فلسطين متسامقة عن غيرها ، لم تغمرها مياه الطوفان ، مع التركيز في نصوص أخرى على أن مدينة أورشليم وجبل صهيون بالذات ، هما اللذان أفلتا من الغمر العظيم « 5 » .
--> ( 1 ) سورة الكهف : آية 5 . ( 2 ) سورة النساء : آية 82 . ( 3 ) Mircea Eliade , Traite d'Histroire des Religions , Paris , 1964 , P . 182 . ( 4 ) Mircea Eliade , Cosmos and History , New York , 1959 , P . 16 - 18 . ( 5 ) Ibid . , P . 13 - 15 . ، وكذلك حسين ذو الفقار : إله موسى في توراة اليهود : المجلة - العدد 163 يوليو 1970 ص 15 .